ابن قيم الجوزية

548

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

تشاء ، فأي تعلق لهذا بالانبساط ؟ وهل هذا إلا توحيد ، وشهود للحكمة ، وسؤال للعصمة ، والمغفرة ؟ وليس للعارف في هذه المنزلة حظ مع اللّه وإنما هي متعلقة بالخلق . وصاحب المنازل : جعلها ثلاث درجات . الأولى : مع الناس ، والثانية ، والثالثة مع اللّه . وسنبين ما في كلامه بحول اللّه وقوته وتوفيقه . قال : « الانبساط : إرسال السجية ، والتحاشي من وحشة الحشمة » « السجية » الطبع ، وجمعها سجايا ، يقال : سجية ، وخليقة ، وطبيعة ، وغريزة . و « إرسالها » تركها في مجراها . و « التحاشي من وحشة الحشمة » التحاشي : هو تجنب الوحشة الواقعة بينك وبين من تحبه وتخدمه ، فإن مرتبته تقتضي احتشامه ، والحياء منه ، وإجلاله عن انبساطك إليه . وذلك نوع وحشة ، فالانبساط : إزالة تلك الوحشة لا تسقطك من عينه ، بل تزيدك حبا إليه . ولا سيما إذا وقع في موقعه . قال : « وهو السير مع الجبلة » أي المشي مع ما جبل اللّه عليه العبد من الأخلاق من غير تكلف . درجات البسط قال : « وهو على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : الانبساط مع الخلق . وهو أن لا تعتزلهم ، ضنّا على نفسك ، أو شحّا على حظك ، وتسترسل لهم في فضلك ، وتسعهم بخلقك ، وتدعهم يطؤونك ، والعلم قائم ، وشهود المعنى دائم » . يريد : لا تبخل عليهم بنفسك . فيحملك ذلك البخل على اعتزالهم . وتشح بحظك في الخلوة . وراحة العزلة : أن تذهب بمخالطتهم ، بل تحملك السماحة والجود والبذل على أن تترك ذلك لراحة إخوانك بك ، وانتفاعهم بمجالستك فتتكرم عليهم بحظك في عزلتك وخلوتك ، وتؤثرهم به على نفسك . وهذا من الفتوة . والمروءة والتخلق ضد من أضدادها . قوله : « وتسترسل لهم في فضلك » . يعني : إذا استرسلت معهم ، ولم تجذب عنهم عنانك : نالوا من فضلك ، فيكون استرسالك سببا لنيلهم لفضلك ، وقبض العنان سببا للحرمان . « وتسعهم بخلقك » باحتمال ما يبدو منهم من سوء العشرة ، فخذ منهم ما أمر اللّه نبيه أن يأخذه من أخلاق الناس . وهو العفو . « وتدعهم يطؤونك » أي يدوسونك من لينك وتواضعك ، وخفض جناحك ، بحيث لا تترك لنفسك بينهم رتبة تتقاضاهم أن يحترموك لأجلها . هذا معنى كلامه . قوله : « والعلم قائم . وشهود المعنى دائم » . أما قيام العلم : فهو أن يكون هذا الاسترسال موافقا للشرع . غير مخرج عن حدوده وآدابه ، بحيث لا تحملهم على تعدي حدود اللّه ، وتضييع حقه وحقوق عباده . وأما « دوام شهود المعنى » فهو حفظ حالك وقلبك مع اللّه ، ودوام إقبالك عليه بقلبك كله .